يعتقد الكثيرون أن سحر لشبونة يكمن فقط في مبانيها الصفراء وعربات الترام القديمة. لكن الحقيقة تختبئ في الصمت الذي يسكن بين تلالها الصاعدة ونهر تاجة. تلك الرؤية السطحية تفوت عليك قلب المدينة النابض بالحياة الحقيقية.
في صباح يوم ماطر من نوفمبر، تهتُ في أزقة حي ألفاما العتيق. توقفتُ أمام مطعم صغير يدعى “Pateo 13” هرباً من المطر. خرجت سيدة مسنة تدعى “ماريا” ولاحظت حيرتي بابتسامة دافئة. دعتني للدخول واقترحت طبقاً لم أسمع به من قبل. “لا تبحث عن الخريطة هنا يا بني”، قالت لي وهي تضع القهوة. “اتبع رائحة السردين المشوي، فهي بوصلتك الحقيقية”. تلك النصيحة البسيطة حولت رحلتي من مجرد مشاهدة إلى معايشة عميقة. سأشارككم الآن خطة شاملة لاستكشاف هذه المدينة الرائعة.
انطلاقة التاريخ: الأيام الأولى في العاصمة
1. اليوم الأول: التوهان في سحر ألفاما
ابدأ يومك الأول من حيث بدأ تاريخ المدينة. توجه مباشرة إلى مطل “Miradouro das Portas do Sol”. المنظر من هناك يخطف الأنفاس ويطل على أسطح المنازل الحمراء. لا تركب الترام 28 في منتصف النهار لأنه مزدحم جداً.
بدلاً من ذلك، انزل سيراً على الأقدام نحو كاتدرائية لشبونة “Sé de Lisboa”. هذه الكنيسة تشبه القلعة وصمدت أمام الزلازل لقرون. توقف لالتقاط الأنفاس وشراء الماء، فالطرق هنا منحدرة للغاية.
عند الغداء، ابتعد عن الشوارع الرئيسية المكتظة بالسياح. ابحث عن المطاعم الصغيرة في الأزقة الخلفية. جربنا مطعم “O Beco” وكان السمك طازجاً للغاية. الأسعار في هذه المناطق الجانبية أرخص بكثير. أنهِ يومك بالتجول قرب قلعة “São Jorge” لمشاهدة غروب الشمس.
2. اليوم الثاني: نبض بايكسا وتشيايدو
خصص هذا اليوم لوسط المدينة النابض بالحياة “Baixa”. ابدأ من ساحة التجارة “Praça do Comércio” العظيمة المطلة على النهر. إنها واحدة من أكبر الساحات في أوروبا وأجملها.
اعبر قوس النصر وتجول في شارع “Rua Augusta” المليء بالحركة. ستجد هنا فنانين ومحلات تجارية متنوعة. انتبه لجيوبك في الأماكن المزدحمة، فهذا أمر شائع في المدن الكبرى.
اصعد عبر مصعد “Santa Justa” الشهير. إذا كان الطابور طويلاً، يمكنك الصعود مجاناً من الخلف عبر ساحة “Carmo”. زرنا أطلال دير “Convento do Carmo” الذي يروي قصة زلزال 1755. المنطقة مليئة بالمقاهي التاريخية العريقة. لا تفوت قهوة “A Brasileira” والتقاط صورة مع تمثال الشاعر بيسوا.
رحلة المجد البحري: اليوم الثالث

3. اليوم الثالث: عبق التاريخ في بيليم
تعتبر منطقة بيليم شاهداً على عصر الاستكشافات البرتغالية الذهبي. اركب الترام رقم 15 من ساحة التجارة للوصول إلى هناك. ابدأ بزيارة دير جيرونيموس “Mosteiro dos Jerónimos” المذهل.
المعمار هنا لا يصدق بتفاصيله الدقيقة المحفورة في الحجر. الطوابير تكون طويلة، لذا حاول الوصول قبل الساعة التاسعة والنصف صباحاً. بعد ذلك، توجه فوراً لتذوق الحلوى الأشهر في البرتغال.
مخبز “Antiga Confeitaria de Belém” هو المكان الأصلي لفطائر “الباستيل دي ناتا”. لا تنخدع بالطابور الخارجي، فالمكان واسع جداً من الداخل. طلبنا علبة كاملة وكانت دافئة ومقرمشة ومحشوة بالكاسترد اللذيذ. اختتم اليوم بزيارة برج بيليم “Torre de Belém” الشهير على النهر.
بين الخيال والحداثة: اليومان الرابع والخامس
4. اليوم الرابع: سينترا.. مدينة القصص الخيالية
لا يكتمل أي برنامج سياحي في لشبونة دون زيارة “Sintra”. استقل القطار من محطة “Rossio” في رحلة تستغرق 40 دقيقة. هذه المدينة الجبلية تبدو وكأنها خرجت من قصص الأساطير.
وجهتك الأولى هي قصر بينا “Palácio da Pena” بألوانه الصارخة. يقع القصر في أعلى الجبل ويحتاج للياقة بدنية أو ركوب حافلة. الحديقة المحيطة بالقصر واسعة جداً وتستحق الاستكشاف بهدوء.
بعد الظهر، انزل إلى وسط المدينة التاريخي لتناول الغداء. ثم قم بزيارة “Quinta da Regaleira”. إنها حديقة غامضة تحتوي على “البئر المقلوب” الشهير. السلالم الحلزونية التي تنزل في الأرض تجربة فريدة من نوعها. عد إلى لشبونة في المساء للاستراحة.
5. اليوم الخامس: الوجه العصري للمدينة
لشبونة ليست تاريخاً فقط، بل هي مدينة عصرية أيضاً. توجه إلى منطقة “Parque das Nações” التي طورت لمعرض إكسبو 98. الهندسة المعمارية هنا تختلف تماماً عن وسط المدينة القديم.
قم بزيارة حوض أسماك لشبونة “Oceanário de Lisboa”. إنه أحد أكبر وأجمل الأحواض المائية في العالم. قضينا هناك ساعتين ممتعتين نشاهد أسماك القرش والطيور البحرية. المكان مكيف ومناسب جداً للعائلات والأطفال.
تمشَّ على طول الممشى النهري واستمتع بالهواء العليل. يمكنك ركوب التلفريك للحصول على نظرة بانورامية للجسر الطويل “Vasco da Gama”. يوجد مركز تجاري ضخم هنا اسمه “Vasco da Gama” للتسوق وتناول الطعام. تتوفر خيارات طعام حلال كثيرة في قاعة المطاعم.
استجمام المحيط والوداع: الأيام الأخيرة

6. اليوم السادس: نسيم المحيط في كاسكايس
بعد أيام من المشي، حان وقت الاسترخاء أمام المحيط الأطلسي. خذ القطار من محطة “Cais do Sodré” نحو بلدة “Cascais”. الرحلة بحد ذاتها متعة لأن القطار يسير بمحاذاة الشاطئ تماماً.
وصلنا إلى كاسكايس في ثلاثين دقيقة فقط. تجولنا في الشوارع الأنيقة المليئة بالمحلات الراقية والمطاعم البحرية. توجه مشياً لمسافة قصيرة لزيارة “Boca do Inferno”. إنها تشكيلات صخرية مذهلة تضرب فيها أمواج المحيط بقوة.
تناول وجبة سمك طازجة في أحد المطاعم المطلة على الميناء. الأسعار هنا أغلى قليلاً من لشبونة لكن الجودة ممتازة. عدنا قبل الغروب بقليل للاستمتاع بمنظر الشمس وهي تغطس في البحر.
التخطيط الذكي: ختام الرحلة
7. اليوم السابع: وداعاً لشبونة
خصص اليوم الأخير للتسوق الخفيف وشراء الهدايا التذكارية. زرنا “Time Out Market” أو سوق “Ribeira”. إنه مكان ضخم يجمع أفضل طهاة المدينة تحت سقف واحد. الطعام حلال متوفر، فقط اسأل عن المكونات قبل الطلب.
اشترينا بعض علب السردين الملونة كهدايا للأصدقاء. تجولنا مرة أخيرة في ساحة “Rossio” لتوديع المدينة. لا تنس شراء منتجات الفلين، فالبرتغال مشهورة جداً بصناعتها.
بطاقة لشبونة: التوفير الذكي
خلال اليوم الثاني، واجهت مشكلة مزعجة للغاية. كنت أدفع لكل تذكرة ترام ومتحف بشكل منفصل. ناهيك عن البحث الدائم عن العملات المعدنية والوقوف في طوابير التذاكر. أدركت أنني أضيع وقتاً ثميناً ومالاً كثيراً.
قررت البحث عن حل فوجدت بطاقة لشبونة (Lisboa Card). كانت هذه البطاقة هي المفتاح السحري لرحلتنا. سمحت لنا بركوب المواصلات مجاناً وبلا حدود، بما في ذلك القطار إلى سينترا وكاسكايس. كما وفرت لنا دخولاً مجانياً لأبرز المعالم مثل دير جيرونيموس وبرج بيليم.
استخدمتها لدخول المصاعد التاريخية دون دفع رسوم إضافية. وفرت علينا ما يقارب 50 يورو للشخص الواحد خلال الرحلة. الشعور بحرية القفز في أي ترام دون تفكير في التكلفة كان رائعاً. إن كنت تخطط لبرنامج سياحي مكثف، فهذه البطاقة ليست رفاهية بل ضرورة.
لا تكن سائحاً تقليدياً

في ختام رحلتنا، تعلمت درساً هاماً في الثقافة البرتغالية. الكثير من السياح يقعون في فخ المطاعم التي تعرض صور الطعام على أبوابها. الأسعار هناك مرتفعة والجودة متواضعة جداً، وهو ما يفسد التجربة.
إليك نصيحة “مغربية” خالصة للتعامل مع المطاعم:
- لا تفعل: لا تدخل مطعماً يقف موظفه في الخارج ليدعوك للدخول بإلحاح.
- افعل: ابحث عن لائحة طعام مكتوبة بالطباشير وبالبرتغالية فقط.
- قل: “Bom dia, prato do dia por favor?” (صباح الخير، ما هو طبق اليوم من فضلك؟).
- النتيجة: سيعاملونك باحترام كشخص يقدر ثقافتهم، وستحصل على طعام منزلي طازج بنصف السعر.
لشبونة مدينة ترحب بالجميع، وخاصة بنا كعرب ومسلمين، لما يجمعنا من تاريخ مشترك. التخطيط الجيد واحترام العادات المحلية سيجعل رحلتك لا تُنسى. استمتع بكل لحظة، فذكريات البرتغال تبقى في القلب طويلاً.



